لا معارك في غزة: إسرائيل تتعمّد قتل وتجويع الغزيّين ولا تعلم مكان المقاومة

تدعي إسرائيل أنه يتوفر في قطاع غزة مواد غذائية تكفي لخمسين يوما، وأنه خلال شهري وقف إطلاق النار نُقل إلى القطاع، بواسطة 25 ألف شاحنة، مواد غذائية وماء ووقود وغاز وأدوية وخيام. إلا أن برنامج الأغذية العالمي أكد أنه يحتاج إلى 30 ألف طن من الغذاء شهريًا لتلبية الاحتياجات الأساسية لحوالي 1.1 مليون شخص، أي لنصف سكان القطاع.
وأكد البرنامج التابع للأمم المتحدة أنه وشركاؤه في قطاع الأمن الغذائي لم يتمكنوا من إدخال أي إمدادات غذائية جديدة إلى غزة منذ أكثر من أربعة أسابيع، لأن إغلاق إسرائيل للمعابر الحدودية يمنع دخول أي سلع، سواء كانت إنسانية أو تجارية.
ووفقا لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن جميع المخابز الـ 25 في القطاع التي كان يدعمها برنامج الأغذية العالمي خلال فترة وقف إطلاق النار أغلِقت، يوم الثلاثاء الفائت، بسبب نقص الدقيق وعدم توفر غاز الطهي.
وحذرت المتحدثة باسم “أوتشا”، أولغا تشيريفكو، من أن “نفاد الإمدادات بسرعة، واضطرار المخابز إلى الإغلاق، يزيدان من خطر وقوع أزمة جوع هائلة في غزة”، وأضافت أنه تم تجنّب هذا الخطر من خلال المساعدات التي تم تقديمها أثناء وقف إطلاق النار، لكنها حذرت من أن “هذا الخطر قد يعود مجددا ما لم يتغير الوضع بسرعة”.
يشار إلى أن التحذيرات من المجاعة في قطاع غزة وتفاقمها تعالت طوال العام الماضي، لكن إسرائيل تجاهلت الاتهامات الدولية ضدها بهذا الخصوص، وبينها اتهامات وجهتها لها الإدارة الأميركية السابقة، بعدما عرقلت إسرائيل دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع.
ولم تستأنف إسرائيل حربها على غزة وحسب، في 18 آذار/مارس الفائت، وإنما هي استأنفت بالأساس المجازر، التي استهدفت المدنيين خصوصا، وبضمن ذلك قصف عيادة الأونروا في جباليا وإعدام قوات الجيش الإسرائيلي 15 عنصرا في طواقم الإنقاذ الفلسطينية في حي تل السلطان في رفح، بإطلاق النار على صدورهم ورؤوسهم بعد إخراجهم من سياراتهم وتقييد أيديهم، ثم دفنهم في قبر جماعي، الأسبوع الماضي.
يزيد عدد الشهداء في هذه المجازر عن ألف شهيد، منذ استئناف الحرب. وعدد الشهداء في صفوف مقاتلي فصائل المقاومة ليس واضحا لأي جهة، بينما عدد الشهداء الأطفال معروف، 400 طفل تقريبا. وتهدد إسرائيل بتوسيع توغلها البري في القطاع، وقال وزير أمنها، يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن الجيش الإسرائيلي يعمل من أجل الاستيلاء على مناطق في القطاع.

إلا أنه لا تدور معارك بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، كالتي كانت تدور قبل وقف إطلاق النار، الأمر الذي يدل على أن الجيش والشاباك لا يعرفان الأماكن التي تتواجد فيها فصائل المقاومة. ويدل على ذلك أيضا التعقيب الذي أصدرته عائلات الأسرى الإسرائيليين في غزة على أقوال كاتس، وجاء فيه أنه “هل تقرر التضحية بالمخطوفين لصالح ’السيطرة على مناطق؟’ وبدلا من إخراج المخطوفين بواسطة اتفاق وإنهاء الحرب، تقوم الحكومة الإسرائيلية بإدخال جنود إلى غزة، من أجل القتال في الأماكن نفسها التي حاربوا فيها مرة تلو الأخرى”.
وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الأربعاء، أن الجيش الإسرائيلي أصبح يسرّع عملياته في القطاع، وأن “القوات تستولي على مناطق وتدمر بنية تحتية”، وكشف عن أن الجيش الإسرائيلي سيستولي على “محور موراغ” في إطار عملية تقطيع أوصال القطاع وأن هذا المحور سيكون “محور فيلادلفيا آخر”.
“موراغ” هي مستوطنة سابقة في قطاع غزة وكانت تقع بين خانيونس ورفح، وتم إخلاؤها في إطار خطة فك الارتباط، في العام 2005. و”محور موراغ” مواز لمحور فيلادلفيا ويقع على مسافة عدة كيلومترات شماله.
ولم ينشر الجيش الإسرائيلي أي معلومات حول خطة “محور موراغ”، قبل تصريح نتنياهو الذي فاجأ الجيش، لأنه لم يصادق نهائيا على هذه الخطة، ولأن من شأن الكشف عنها أن يشكل خطرا على القوات الإسرائيلية المتوغلة في هذه المنطقة، حسب وسائل إعلام إسرائيلية.
وقال مصدر أمني إسرائيلي إن معظم منطقة “محور موراغ” مدمرة، وأنه يوصل بين الحدود الشرقية للقطاع وبين شاطئ البحر من خلال منطقة المواصي، التي توصف بأنها “منطقة إنسانية” يلجأ إليها النازحون من مناطق أخرى. وأضاف المصدر أنه ليس واضحا كيف سيتم ربط “محور موراغ” بشاطئ البحر. وحسب الجيش الإسرائيلي، فإن هدف العمليات العسكرية في هذه المنطقة هو محاصرة رفح، وأنه يجري حاليا قصف هذه المنطقة تمهيدا لتوغل بري في المنطقة بين خانيونس ورفح.
رسالة إسرائيل لتركيا في سورية
صعّدت إسرائيل غاراتها في سورية، في الأيام الأخيرة، واستهدفت قواعد عسكرية ومطارات كان يستخدمها الجيش السوري، وأعلن الجيش الإسرائيلي أن الغارات استهدفت خزانات وقود ورادارات ومدرجات تحليق الطائرات، بادعاء “الحفاظ على التفوق الجوي الإسرائيلي في المنطقة”.
وتعتبر إسرائيل أن تصعيدها في سورية هو رسالة موجهة إلى تركيا، بادعاء أن الأخيرة تسعى إلى أن تكون لاعبة مركزية في سورية، وإملاء الفراغ الذي أبقته إيران في أعقاب سقوط نظام الأسد، وأن القواعد العسكرية السورية المستهدفة يمكن أن تستخدمها تركيا من أجل الدفاع عن الأجواء السورية أمام غارات إسرائيلية في المستقبل. ورغم ذلك، فإن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن احتمالات مواجهة عسكرية بين إسرائيل وتركيا ضئيلة، لكن وجودا عسكريا تركيا متزايدا في سورية من شأنه أن يؤدي إلى تغيرات إقليمية كبيرة، حسب تقارير إسرائيلية.
وانتقلت إسرائيل، الآن، من الحديث عن “تموضع إيراني” إلى “تموضع تركي” في سورية، ومن “ميليشيات إيرانية” إلى “منظمات إسلامية تدعمها تركيا” في سورية. وتقول إسرائيل إنها تتابع عن كثب وباستنفار التطورات في سورية وتبعاتها المحتملة على أمنها القومي.
وحسب الإذاعة العامة إسرائيلية “كان”، فإن تركيا “تضخ” كميات أسلحة كبيرة وأموالا إلى سورية منذ سقوط الأسد، وتزود بها الإدارة الجديدة ومجموعات مسلحة، وأن المطارات التي قصفتها إسرائيل كانت ستستخدم من أجل تأهيل وتطوير جيش سوري جديد، وأن تركيا قد تنشر فيها طائرات مسيرة “مثلما فعلت في ليبيا”، وربما منظومات دفاع جوي، وهذا الأمر يثير قلقا كبيرا في إسرائيل ومن شأنه أن يؤثر على “حريتها في العمل في سورية”.
وقال مصدر أمني إسرائيلي، الإثنين الماضي، إن أي قاعدة جوية تركية في سورية ستستهدف “حرية العمل الإسرائيلية. وهذا تهديد محتمل ونحن نعارضه. وهاجمنا القاعدة الجوية T4 مؤخرا كي ننقل رسالة إلى تركيا بأنه لن نسمح بأي تهديد لحرية عملياتنا العسكرية في الجو”، وفق ما نقلت عنه وسائل إعلام إسرائيلية.
إلى جانب ذلك، يسود قلق في إسرائيل حيال محادثات جارية بين تركيا والولايات المتحدة، وبضمن ذلك محادثة هاتفية بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، جرت الأسبوع الماضي، حول احتمالات تزويد تركيا بطائرات قتالية من طراز F-35، بعد أن استبعدت تركيا عن هذا البرنامج، في العام 2019، في أعقاب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400.
وأعلنت تركيا أنها ستوافق على التنازل عن منظومة الدفاع الجوي الروسية وتخزينها أو نقلها إلى خارج الأراضي التركية، إلا أن إسرائيل عبرت، في أكثر من مناسبة، عن معارضتها الشديدة لتزويد تركيا بطائرات F-35، بادعاء أن من شأن ذلك أن يمس بتفوقها النوعي العسكري في المنطقة.